لحظة تجلي الرحمن لسيدنا موسي
لتعلم قدر عظمة الله .
كان بين الله تعالى وبين موسى سبعون حجابا ، رفعها كلها وابقى حجابا واحدا.
سيدنا موسى كلم الله تعالى واشتاق إلى رؤيته وطمع فيها ، فقال ما أخبر الله - عز وجل.
قال الله تعالى : " ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك " . فقال الله تعالى له : لن تراني " وليس يطيق البشر النظر إلي في الدنيا ، من نظر إلي مات.
قال : إلهي سمعت كالمك فاشتقت النظر إليك ، وألن أنظر إليك ثم أموت أحب إلي من أن أعيش ولا أراك.
فقال له تعالى : " انظر إلى الجبل " وهو أعظم جبل يقال له : الزبير .
قال : وذلك أن الجبال لما علمت أن الله تعالى يريد أن يتجلى لجبل منها تعاظمت وتشامخت رجاء أن يتجلى الله تعالى لها ، وجعل الزبير يتواضع من بينها فلما رأى الاه تعالى تواضعه رفعه من بينها وخصه بالتجلي ،
قال الله تعالى : ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني " .
فتجلى الله تعالى للجبل . واختلف العلماء في معنى التجلي.
قال ابن عباس : ظهر نوره للجبل .
وقال الضحاك :أظهر الله تعالى من نور الحجب مثل منخر الثور .
وقال عبد الله بن سالم وكعب : ما تجلى من عظمة الله تعالى للجبل إلا مثل سم الخياط حتى صار دكا
وقال السدى : ما تجلى منه إلاقدر الخنصر . وقال الحسن : أوحى الله تعالى إلى الجبل فقال : هل تطيق رؤيتي ؟ فغار الجبل وساخ في الارض. وموسى ينظر إليه حتى ذهب أجمع . قال أبو إسحاق : قال أبو بكر محمد بن عمر الوراق : حكى لي عن سهل بن سعد الساعدي أن الله تعالى أظهر من سبعون ألف حجاب نورا قدر درهم ، فجعل الجبل دكا.
قال أبو بكر : فعذب إذ ذاك كل ماء ، وأفاق كل مجنون ، وطاب كل مريض و ازل الشوك عن الاشجار ، واخضرت الارض واهتزت ، وخمدت نيران المجوس وخرت الاصنام لوجوهها وقال السدى : ما تجلى للجبل الا مقدار جناح بعوضة ، فصار الجبل دكا.
قال ابن عباس - رضي الله عنهما - ترابا وقال سفيان : ساخ حتى وقع في البحر . وقال عطية العوفي : صار رمالً هائلا .
وقال الكلبي : جعله دكا أي كسر جبالا صغارا وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله ) صلى الله عليه وسلم قال : صار بعظمة الله ستة جبال ، فوقعت ثلاثه بالمدينة : أحد ، ورقان ، ورضوى ووقعت ثلاثه بمكة : ثور ، وثبير ، وحراء. تجلى ربه للجبل دكا وخر موسى صعقا - قال ابن عباس رضي الله عنهما - مغشيا عليه
وقال قتادة : ميتا . وقال الكلبي : خر موسى صعقا يوم الخميس يوم عرفة ، وأعطى التوارة يوم الجمعة يوم النحر قال الوافدي : لما خر موسى صعقا.
قالت المالئكة : ما لابن عمران وسؤال الرؤية . قال وهب : لما سأل موسى الرؤية أرسل الله تعالى الضباب والصواعق والظلمة والرعد والبرق.
فأحاطت بالجبل الذي عليه موسى ، وأمر الله تعالى ملائكة السموات أن يعرضوا على موسى ، أربعة فراسخ من كل ناحية ، فمرت ملائكة سماء الدنيا كثيران البقر ، تتابع أفواههم التقديس والتسبيح بصوت عظيم كصوت الرعد الشديد ، ثم أمر الله تعالى مالئكة السماء الثانية : أن اهبطوا على موسى .
فهبطوا عليه مثل أسد لهم نحيب بالتسبيح والتقديس ، ففزع موسى . مما رأى وسمع واقشعر جلده ، ثم قال : ندمت على مسألتي ، فهل ينجيني من مكاني الذي أنا فيه شىء ؟
فقال له حبر الملائكة ورأسهم : يا موسى اصبر لما رأيت ، فقليل من كثير رأيت . ثم هبطت ملائكة السماء الثالثة كأمثال النسور ، لهم قصف ورجف بالتسبيح والتهليل والتقديس كجلب الجيش العظيم وكلهب النار ،
ثم هبطت عليه ملائكة السماء الرابعة لا يشبههم شيء من الذين مروا به قبلهم ، ألوانهم كلهب النار ، وسائر خلقهم كالثلج األبيض ، أصواتهم عالية بالتسبيح والتقديس لا يقاربهم شيء من أصوات الذين مروا به قبلهم ،
ثم هبطت عليه ملائكة السماء الخامسة في سبعة ألوان ، فلم يستطع موسى أن يتبعهم الطرف ، لم ير مثلهم ولا سمع مثل أصواتهم ، وامتلا جوف موسى فزعا واشتد حزنه وكثر بكاؤه ، ثم قال له حبر المالئكة ورأسهم : يا بن عمران ، مكانك حتى ترى ما لا تصبر عليه ،
ثم أمر الله تعالى ملائكة السماء السادسة أن اهبطوا على عبدي الذي أراد أن يراني ،
فعرضوا عليه وفي يد كل منهم حربة مثل النخلة الطويلة ، نارها أشد من ضوء الشمس ولباسهم كلهب النيران ،
إذا سبحوا وقدسوا من جاوبهم من كان قبلهم من ملائكة السموات ، كلهم يقولون بشدة أصواتهم : سبوح قدوس رب العزة أبدا لايموت
وفي راس كل ملك منهم أربعة أوجه ؛ فلما رآهم رفع صوته يسبح معهم ويبكي ويقول رب اذكرني ولا تنس عبدك ، لا أدري هل أتخلص مما أنا فيه أم لا ، إن خرجت احترقت وإن مكثت مت . فقال له كبير الملائكة ورئيسهم : قد أوشكت يا بن عمران أن يشتد خوفك وينخلع قلبك فاصبر للذي سألت .
ثم أمر الله تعالى أن يحمل عرشه في ملائكة السماء السابعة ،
فقال : أروه إياه .
فلما بدا نور العرش انفرج الجبل من عظمة رب العزة ، ورددت ملائكة السموات أصواتهم جميعا. فارتج الجبل ، واندكت كل شجرة كانت فيه ، وخر موسى صعقا.
ليس معه روحه ؛ فقلب الله تعالى الحجر الذي كان موسى عليه وجعله كهيئة القبة لئلا يحترق موسى ؛ وأرسل عليه روح الحياة برحمته ؛ فقام موسى يسبح الله تعالى ويقول : آمنت أنك ربي وصدقت أنه لا يراك أحد ، فنجني ،ومن نظر إلى ملائكتك انخلع قلبه ، فما أعظمك وأعظم ملائكتك أنت رب الأرباب وإله اآللهة وملك الملوك ، لا يعدلك شيء ، ولا يقوم لك شيء ، تبت إليك ، الحمد لك لا شريك لك رب العالمين .
المصدر كتاب : نهاية الارب فى فنون الأدب لشهاب الدين احمد بن عبد الوهاب النويرى
كلمات البحث سيدنا موسى ، كليم الله ، جبل موسى ، بنى اسرائيل ، الملائكة، العرش ، تجلى